الشيخ محمد رشيد رضا
218
الوحي المحمدي
في الأصول أن العبرة بدلالة العموم . لا يقيد بخصوص سبب النزول . وقال في النفقات العامة : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] ، و ( من ) للتبعيض ، فكل من الغنى ذي السعة ، والفقير ذي العسرة ، مأمور بأن ينفق مما آتاه اللّه لا كل ما آتاه الله ، وهذا أعظم الأصول الاقتصاد ، فمن أنفق بعض ما يكتسب قلما يفتقر . وتقدم في وصايا سورة الإسراء الحكيمة ذكر آيات النهى عن التبذير والمبالغة في بسط اليد والمبالغة في قبضها ، وما لكل منهما من سوء العاقبة ، قال اللّه تعالى : وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً [ الإسراء : 26 ] . ولولا اقتران تلك الوصايا بحكمها وعللها ومنافعها لما سمّيت حكمة ، ألا ترى أنه قال عقب النهى عن التبذير : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : 27 ] ، لأنهم يفسدون نظام المعيشة بإسرافهم ، ويكفرون النعمة بعدم حفظها ووضعها في مواضعها بالاعتدال ، ولذلك قال عقبه : وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [ الإسراء : 27 ] ، ثم قال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [ الإسراء : 29 ] فعلل الإسراف في الإنفاق بأن عاقبة فاعله أن يكون ملوما من الناس ومحسورا في نفسه ، والمحسور من حسر عنه ستره فانكشف منه المغطى ، ويطلق على من انحسرت قوته وانكشفت عن عجزه ، والمحسور المغموم أيضا ، وكل هذه المعاني تصح في وصف المسرف في النفقة ، يوقعه إسرافه في العدم والفقر إلخ ، وحسير البصر كليله وقصيره . ويكنى به عمن لا يفكر في عواقب الأمور . ولو أنّ المسلمين تدبروا هذه الآيات الحكيمة في الاقتصاد واهتدوا بها لاستغنوا بإرشادها عن جميع الكتب والوصايا في حفظ ثرواتهم ، ولندر أن يوجد فيهم فقير . ولو كان هذا القرآن نابعا من غريزة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورأيه وشعوره لما وجدتها فيه ، فقد كان حب البذل والإحسان هو الغالب على طبعه ، وصاحب هذه الخليقة قلما يفكر في الاقتصاد . وإنما هي وصايا رب العباد .